الديوان

مرحب حبابكم في الديوان

صور من الضفة..قراءة في قصيدة جديدة للدكتور تاج السر الحسن

مشاركة من أبوعاقلة إدريس
أبوعاقلة إدريس
أبوعاقلة إدريس لم يـ/تدخل السيرة الذاتية بعد
المستخدم حاليا غير متواجد
في الأربعاء, 04 يوليو 2012 في مقالات أدبية
أبوعاقلة إدريس

من القصائد التي يتضمنها الديوان الجديد للشاعر الكبير الدكتور تاج السر الحسن " الشعر في زمن القهر " قصيدته " صور من الضفة " *(1) ، وهي قصيدة بلغت شأواً عالياً في تطور تجربة الشاعر وفي أدائه الفني ..فهي تحفل بموسيقا عارمة ، وفيها يضطرم الحنين والشجن ليأخذ بعداً جمالياً أخاذ غير معهود ، ويتجه إيقاع تفعيليتها نحو مناطق قصيدة التدوير ، والنص أدل على ما في التكثيف والإيحاء من دلالات أكثر عمقاً ورحابة في تجربة الشاعر .. أي شاعر ..
عام خمسة وتسعين ، تقريباً ، كتب الشاعر نصه الموحي ، عندما أبعده قرار سياسي – رأى فيه الشاعر إجحافاً – من مكتبه في وزارة التعليم العالي إلى مكتب خرب مهجور في وزارة التعليم العام *(2) ؛ مما يشي بأن إحباط مبدعنا تاج السر الحسن لهو ضرب من التعبير الصارم عن الرفض ، والشاعر الدكتور تاج السر الحسن – أحد رواد الشعر الحديث في السودان – يتحصن باعتداده الشموخ الذي طالما عرف به ، ويتخندق بمواقفه الجريئة إلى جانب أمته ، ويدرأ بالكبرياء المصائب :
وهذا نسيج العناكب
قد زوق السقف ،
هل تعرفون نسيج العناكب ؟
في " لسان العرب " لابن منظور ( 630 – 711هـ ) :

" قال ابن المظفر : أهل المدينة يسمون الزئبق ، الزاووق ، ويدخل الزئبق في التصاوير ، ولذلك قالوا لكل مزين مزوق ؛ الجوهري : قيل لكل منقش مزوق وإن لم يكن فيه الزئبق . والمزوق : المزين به ثم كثر حتى سمي كل مزين بشئ مزوقاً ، وقي الحديث : ليس لي ولنبي أن يدخل بيتاً مزوقاً أي مزيناً ؛ وفي الحديث : أنهُ قال لابن عمر : " إذا رأيت قريشاً قد هدموا البيت ثم بنوه فزوقوه فإن استطعت أن تموت فمت " ؛ كره تزويق المساجد لما فيه من الترغيب في الدنيا وزينتها أو لشغلها المصلي ، وجمع الزاووق زوق ؛ قال ابن بري وأنشد القزاز :
قد حصل الجد منا كل مؤتشب كما يحصل ما في التبرة الزوق " *(3) والشاهد من البسيط ، وهو – كما في تحقيق " اللسان " لياسر أبي شادي ومجدي فتحي – لعروش في كتاب الجيم ، وللسيد مرتضى الزبيدي في تاج العروس . *(4) وإذا كان نسيج العناكب قد زوق السقف – حسب التجربة الشعررية الصادقة التي عاشها الشاعر – فالمفارقة مقصودة جماليا إذن ، أتبعها الشاعر بالاستفهام المجازي ، ولعله قصد به التنبيه : هل تعرفون نسيج العناكب ، . وفي سورة الفرقان : " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء لجعلهُ ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً (45) ثم قبضنه إلينا قبضاً يسيراً (46) " *(5) والشاعر يعبر عن محاصرة الحزن له بتحديق المآرب به وتطوافها به وهو تشخيص قلق يناسب حالته الشعورية المتأرجحة ما بينه وبينه :

مآرب كانت تحدق بي في البعيد
تطوف بي ، بالشقي المحارب .
ولكنها لا تنال .
تمزق قلبي . وتنثرني في جميع
السباسب .

وصيغة " تفعل – بتشديد العيْن " في أفعال المضارعة " تحدٌق " ، " تطوف " ، تمزق " تدل على التعمق في الحركة ، والمقطع يذكرني بالمقطع الأول من " سفر الفصول " لشاعرنا الراحل محيي الدين فارس (1932 – 2008م ) – وهو أحد رفقاء شاعرنا الدكتور تاج السر الحسن في ريادة الشعر الحديث –

وتلفتت في أعيني الطرقات
تركض بي
فيسلمني البعيد إلى البعيد
وتختفي عني محطات
تلوذ ، تفر
تنسحب الموانئُ
تغلق المدينة القديمة كل بواباتها *(6)

والشاعر الدكتور تاج السر الحسن وهو يحفل بإيقاعه الخاص لا يني يذكر باعتداده الجمُ وشموخه العظيم وهو يجابهُ الظلْم والقهْر وألوان القبح ، والأنا عند تاج السر ذات الأنا عند كل المبدعين الكبار ، على شاكلة أبي الطيب :

أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت         وإذا نطقت فإنني الجوزاءُ *(7)
       
وها أنا في خندق العيش أحمل
        قوسي
        وأدرأُ بالكبرياء المصائب

ويبلغ الاحتجاج ذروته ، والخرائب والبوم والجنادب تعمل عملها في تفاصيل المشهد :
       
فيا أيها السقف هذا المهدل حولي
        ويا فجوات الخرائب .
        تمدد ظلك فوقي .. وبومك ينعق
        حين تصاعد في البعد عزف الجنادب
ذاك هو نسيج العناكب ، ثم ها هوذا الطُوفان ، فالنيل سيل العرم :
        وهذا هو النيل يزحف نحوي
        يحمل عشب الخريف الخضيل
        يغطي البساتين ذات النضارة
        وهي تناجي ابتهاج الأصيل
        ومسك التماسيح فاح
        وأسماكه ارتعش الماء من فوقها
        بالنسيم العليل
        فتغمرني نشوة من وجود الوجود
        ومن عبق الأرض ذات النخيل
        وتنداح عني كآبة تلك الرُؤى
        وما في العوالم من مستحيل ..

والنيل الذي زحف نحو شاعره هو النيل – الذي عاد في تجربة سابقة للشاعر نفسه عام ثلاثة وثمانين في ظروف سياسيه واجتماعية مشابهة – فارغ اليدين :
       
النيل فاض ،
        غطى الضفتين
        النيل ، كان فارغ اليدين .
        النيل ، صمت اليوم
            همس اللحظة
        التي تفيض مرتينْ ..
        المرة الأولى لهم
        والمرة الأخرى لهم ..
        والمرة التي لنا
        معصوبة العينين .
        النيل ، ذلك العظيم .
        رافع الجبين ،
        باسط اليدين ..
        قد صار في أيامهم ،
        يحسب بين بين . *(8)
النيل والضفاف والأسماك ورجع الصدى ...
        خفاقة يفعل الريح ،
        تحمل الفوح الذي يفيض من ضفاف النيل ،
        من أسماكه ،
        وحوشه
        ومن أشذاء حقلنا المجاور .. *(9)
وإذا بالضفاف تشكو وتولول :
    تهدمت الضفة المشرئبة نحو الأعالي
    وها هي تسقط فوق المياه !
    تولول تسْكب دمع الأسى ..
    والشجيرات من حولها باكيات :
    " أيها النيل ، يا جدنا الأزلي
    أتقسو علينا وتغرقنا في حنانك ؟
    في عمق أمواهك العاتيات ؟ "

هل في قصيدة " صور من الضفة " للشاعر الدكتور تاج السر الحسن تناص مع نص " أضواءُ على الظلام " للشاعر الدكتور تاج السر الحسن نفسه ؟   

    النيل يجري وتمشي على ضلوعي السواقي
    ووقع أقدام طفل خلف القواديس باقي
    ووجه عذراء ترنو حزينة الإطراق
    ودمعتان لأم تشكو اقتراب الفراق
    شعبي الذي عاش يشكو من غربة الأشواق
    وضفة النيل هذي العجوز حرى المآقي
    لكم بكت مقلتاها لبعد يوم التلاقي
    وكم أشاحت بعيداً لسمرة الآفاق * (10)

.. وفي عذوبة كماء النيل السلسبيل تهدر التحيات للنهر :

    التحيات للمد ، للطوفان المزمجر ،
    للمعجزات ..
    للتغاريد للخضرة المستحمة في
    الماء ،
    للجزر النائيات ..

والمقطع المتقدم يتناص مع " مقطع لنيسان " أحد مقاطع الشاعر تاج السر الحسن من ديوانه : " الأتون والنبْع " :
   
حدائق نيسان ،
    حدقت بي من جميع الجهاتْ .
    أجئت إلى عبوراً ؟
    أم أنك قد جئْت دوماً ،
    للم الشتات ؟
    لتبهرني صور الضوْء والخضرة ،
    المستحمة في الظل ،
    والنيلُ ألوانُهُ  ،
    قد أنارت دروب الحياةْ .
    فأهلاً وسهلاً .
    سلامي ليْس له من حدود ،
    ووجدي ليْس له من مماتْ ..
    وأهلاً وسهلاً .
    فإن الذي سوف يأْتي ،
    سيصبح أجمل ،
    من كل وقت من الدهر فات
    وأن الذي سوف يأتي ،
    سينقذنا من ظلام الدُهور القديمة .
    ينشرنا في جميع الجهات .
        فنحن بني " كوش "
        نحن بني العُرب ، والزنْج
        نحن بني الغد والذكرياتْ .
        ونحن الوجود ، ونحن الورود ،
        ونحن الصحارى المليئات بالمعجزات . *(11)
.. وفي شجن العربي الأصيل : " ويا شجر الخابور مالك جازعاً ؟ " يسآءلُ تاجُ السر :
        ويا شجر السنْط هل غسلتك المياهُ ؟
        وهل طوقتك الربى بالنباتْ ؟
        فها أنت خلف المياه تنام غريراً ،
        يحيطك همس الشُجيْرات
        والضفدعات

وفي نصوص الشاعر تاج السر الحسن احتفاء واف بصور الحياة السودانية ومظاهرها وبالمهاجرات إليها .. أرأيت كيف يحتفي بـ " بيان الولي " هناك حيث السمبر ، وأسراب الكرْكي وحشائش السُوريب " ، وشجر اللالوب " والدوم  ،  والتبلدي ، وتُنْضُب العتمور ، وغاب السُنْط في مذكرات صبية المويْلح ؟
       
المسافات بعيدات ،
        وإنْ كن قريبات
        من جذوع الشجر ،
        لجذوع العربات ...
        ومن الغابة ذات السُنط ، والزهر ،
        إلى عيْش الفتات .
        وإلى الأسفلت ، للصخر ،
        إلى أرض شتات .  * (12)

الظلالُ بلوْنها الداكن ، والضوْءُ الذي يتكسرُ على الجداول المنسابة ، والأوزةُ التي يسْبحُ عند الشط سرْبُها :
       
وها أنا أعود ،
        محمولاً على جناح طائر القطا ..
        على أعناق سرْبه المسافرْ
        محملاً بعبق الذكرى ،
        وسر الوجد ،
            والحنين والخواطرْ
        مودعاً ضفاف النيل ،
        والسُنط الذي بالشرق
        والكثبان ، والدومات  *(13)

وفي " القلب الأخضر" تتجاور شجرات السُنط ، والتنضب ، وأحلام الريف المسحورة :
        شجرات السنط على الشُطْآن تمدٌُ ظلالاً نشوانه
        والصخر الجيري على الضفة كم ذا يرسم ألوانه *(14)
بلى .. بعض أُغنياته لها :
        رأيتهم يمشون في شواطئ الحقول
        قاماتهم مغروسة في الأرْض كالنخيل
        عرفتهم ،
        ففي أصداغهم يرفُ سرْبُ طيْرْ
        وفي عيونهم تنام زرْقة النُهيْرْ  *(15)
وتاج السر الحسن إذ يمجد النيل :
        لك المجد يانيل ، والخصب ،
        والقمم الباسقات ..

يقترب من ابن زمرك (734 – 796هـ) في عصر غرناطة آخر عصور الأندلس ، يقول في وصف ذبال القنديل :
لك اللهُ يا مصباحُ أشبهت مهجتي وقد شفها من لوعة الحب ما شفا * (16)
        لك المجد يا نيل ، والخصب ،
        والقمم الباسقات ..
        لكل الزواحف كل السلاحف فيك ،
        وأسماكك السابحات ..
        وها أنا من شاطئيْك أعود إليْك ..
        ملئ الوطاب مهاب الجناب ،
        بكل الرُؤى النيرات ..

ها هو ذا الشاعر من شاطئي النيل يعود إليه مليء الوطاب والوطاب – في " اللسان " – :
" الوْطبُ : سقاءُ اللبن ؛ وفي الصحاح : سقاءُ اللبن خاصة ، وهو جلُدُ الجذع فما فوْقه ، والجمْعُ أوطب ، وأوْطاب ، ووطاب ، قال امرؤ القيْس :
    وأفلتهُن علباء جريضاً     ولو أدركنهُ صفر الوطاب

.. ويقال للرجل إذا مات أو قُتل : صفرتْ وطابُهُ أي فرغتْ وخلت ؛ وقيل : إنهُمْ يعنون بذلك خروج دمه من جسده ؛ وأنشد بيْت امرئ القيْس :
            ولوْ أدْركنهُ صفر الوطابُ
وقيل : معْنى صفر الوطابُ : خلا لساقيْه من الألبان التي يُحْقنُ فيها لأن نعمهُ أُغير عليْها ، فلمْ يبْق لهُ حلوبة .. ومعنى صفر وطابه أي مات ؛ جعل رُوحهُ بمنْزلة اللبن الذي في الوطاب، وجعل الوطب بمنزلة الجسد فصار خلوٌ الجسد من الروح كخلو الوطب من اللبن ؛ ومنه قول تأبط شراً :
    أقول لجنان وقد صفرتْ لهم         وطابي ويوْمي ضيقُ الحجر مُعْورُ
وفي حديث أم زرع : " خرج أبو زرع ، والأوْطابُ تُمخضُ ، ليخرج زبدُها " . * (17)

.. بين الوجود وبين اللا وجود منْطقة من وعي اللاوعي .. والرائدُ الجمالي المفنٌ الشاعرُ الدكتور تاج السر الحسن يعود إلى مناطق السحر وأقاليم الدهشة أقاصي الشعر عبر نصه الفارع الفاره " صور من الضفة " مليء الوطاب ، مهاب الجناب ، بكل الرؤى النيرات .. إن الحُب هو مصدر الحٌُزْن
        الحب وحدهُ .
        هو مرحُ الحياة الباردة
إنهُ وحْدهُ الذي يهدينا لحظة الفرح القصيرة
        بينما الأحزان ، لا نهاية لحدودها " . *(18)
ولكن عيشي الذي هددته الذئاب
وسقفي الذي حطمته رياح الخرابْ ،
يكاد ينوءُ بما في الوجود
من الحزن من لوْعة الاغترابْ !
 
هوامش :

1/ الشعر في زمن القهر : تاج السر الحسن ، ديوان شعر ( مخطوط ) .
2/ إفادة الشاعر الدكتور تاج السر الحسن شخصيا للكاتب  بتاريخ الأحد 15 أبريل 2012م .
3/ لسان العرب : أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور – الجزء السادس – المكتبة التوفيقية .
4/ المصدرالسابق : تحقيق ياسر سليمان أبي شادي ومجدي فتحي السيد .
5/ سورة الفرقان : الآيتان 45 ، 46 .
6/ صهيل النهر : محيي الدين فارس ، الخرطوم ، 1986م .
7/ ديوان المتنبي : قافية الهمزة ، شرح البقوقي ، 1930م .
8/ الأتون والنبع : تاج السر الحسن ، دار الجيل ، بيروت ، 1992م ، ص : 27 ، 28 .
9/ المصدر السابق : ص 90 .
10/ القلب الأخضر : تاج السر الحسن ، دار الجيل ، بيروت ، 1991م ، ص : 20 ، 21 .
11/ الأتون والنبع : تاج السر الحسن ، دار الجيل ، بيروت ، 1992م ، ص : 67 ، 68 .
12/ المصدر السابق : ص 55 .
13/ المصدر السابق ص 92 .
14/ القلب الأخضر : تاج السر الحسن ، ص 74
15/ المصدر السابق : ص 92 .
16/ دراسة تحليلية نقدية لنماذج من الشعر الأندلسي : عبد المجيد عابدين . الدار السودانية للكتب ، 1972م .
17/ لسان العرب : ابن منظور ، الجزء الخامس عشر .
18/ بين الأدب والسياسة : تاج السر الحسن ، دار الجيل – بيروت ، 1989م ، ص : 144.



صوّت على هذه المشاركة
0 تصويتات

تعليقات

الرجاء سجل دخولك ليصبح بإمكانك إرسال تعليقاتك